ملا محمد مهدي النراقي
30
جامع السعادات
من دون صرف قلوبهم إليها ، حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها ، ومن جهل سنة الله فيها ، ظن أنها مملوكة له ، فيتعلق بها قلبه ، فلما أخذت منه عظمت بليته واشتدت مصيبته . وفي اغترار الخلق بها وضعف إيمانهم بقوله تعالى في تحذيره إياهم غوائلها : كمفازة غبراء لا نهاية لها ، سلكوها قوم وتاهوا فيها بلا زاد وماء وراحلة ، فأيقنوا بالهلاك ، فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم رجل وقال أرأيتم إن هديتكم إلى رياض خضر وماء رواء ما تعملون ؟ قالوا : لا نعصيك في شئ . فأخذ منهم عهودا ومواثيق على ذلك ، فأوردهم ماء رواء ورياضا خضراء ، فمكث فيهم ما شاء الله ، ثم قال : الرحيل ! قالوا : إلى أين ؟ قال : إلى ماء ليس كمائكم ، وإلى رياض ليست كرياضكم . فقال أكثرهم : لا نريد عيشا خيرا من هذا ، فلم يطيعوه . وقالت طائفة - وهم الأقلون - : ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله ألا تعصوه ، وقد صدقكم في أول حديثه ؟ فوالله إنه صادق في هذا الكلام أيضا ! فاتبعه هذا الأقل ، فذهب فيهم إلى أن أوردهم في ماء ورياض أحسن بمراتب شتى مما كانوا فيه أولا ، وتخلف عنه الأكثرون ، فبدرهم عدو ، فأصبحوا من بين قتيل وأسير . تذنيب تشبيهات الدنيا وأهلها قد شبه بعض الحكماء حال الإنسان واغتراره بالدنيا ، وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال ، وانهماكه في اللذات العاجلة الفانية الممتزجة بالكدورات : بشخص مدلي في بئر ، مشدود وسطه بحبل ، وفي أسفل ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه إليه ، منتظر سقوطه ، فاتح فاه لالتقامه ، وفي أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود ، لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا ، ولا يفتران عن قرضه آنا من الآنات ، وذلك الشخص ، مع أنه يرى ذلك الثعبان ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا ، قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك البئر وامتزج بترابه واجتمعت عليه زنابير كثيرة ، وهو مشغول بلطعة منهمك فيه ، ملتذ بما أصاب منه مخاصم